تصريحات الرؤساء .. و«الثانوية» والتطعيم

محمد السيد صالح

انشغلت الأسبوعين الماضيين بالتعمق فى أسلوب عدد من الزعماء فى التعامل مع القضية الأفغانية، وخروج قوات التحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة من هناك بعد عشرين عامًا من الاحتلال والمواجهات الدامية مع حركة طالبان.

تصريحات كل زعيم وتحليلها تحمل كثيرا من المفردات حول منهجه السياسى وشفافيته وتحمله للمسؤولية وطريقة تعامله مع الرأى العام.

للرئيس الأمريكى ثلاثة تصريحات خلال هذه المدة عن أفغانستان، اتسمت كلها بالجرأة والشجاعة وتحمله المسؤولية الكاملة عن هذا القرار «الانسحاب الذى كان ينبغى أن يتم منذ سنوات، لأنه لا أهداف لنا حاليًا تبرر استمرار البقاء».. غير أن أخطر ما قاله وأكثره إثارة للجدل فى خطابه الأول، والذى تزامن مع بداية الانسحاب، وما رافقه من ارتباك وذعر فى مطار كابول ثم فى عدد من العواصم قوله: «إن أفغانستان كانت دائما مقبرة للغزاة، وإن أحدا لم يستطع السيطرة على هذا البلد». وحتى خطابه الأخير، يوم الثلاثاء الماضى ٣١ أغسطس، وهو موعد خروج آخر الجنود الأمريكيين، تضمن عبارات أكثر جرأة وتعبيرًا عن إيمانه بأنه اتخذ القرار السليم بالانسحاب.

كان ضمن ما ركز عليه أن التكلفة اليومية للغزو كانت فى حدود ٣٠٠ مليون دولار، وذلك على مدار ٢٠ عامًا، وأن «طالبان» التى كنا نحاربها، حاليًا باتت أقوى بكثير من تلك التى نجحنا فى احتلال أراضيهم عام ٢٠٠١. كما نجح فى استخدام قصة الجنود العائدين وإقدام نسبة عالية منهم على الانتحار فى الدعاية السلبية لتكلفة البقاء هناك.

رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون وأركان حكومته وكذلك المعارضة، استخدموا جميعًا ساحة مجلس العموم- الذى تُذاع جلساته على الهواء- فى نشر كل المواقف المؤيدة والمعارضة للانسحاب.

ظهر بوضوح اهتمام السياسيين بقصص التكدس فى مطار كابول والأزمات الإنسانية هناك، وكذلك مصير البريطانيين والأفغان الراغبين فى الخروج، وما الخطوات التى يمكن أن تقوم بها لندن للمساهمة فى هذه الأزمة بطريقة لا تُزيد من أعباء الداخل.

الرئيس الفرنسى ماكرون له عدة تصريحات صحفية، كما اهتم مكتبه بإصدار بيانات رسمية عن مواقفه فى تطورات الأزمة. هو صاحب اقتراح إنشاء ممر آمن دائم للخروج يُشرف عليه التحالف الدولى حتى بعد خروجهم من هناك. وأعتقد أن جزءًا من هذا الاقتراح وصل بالفعل لمجلس الأمن، وفى طريقه لكى يصبح قرارا دوليا.

المستشارة الألمانية ميركل لها تصريحات عديدة وبيانات رسمية عن أفغانستان. قالت إن الخروج بمثابة كارثة كبرى لحلف الناتو. ركزت، ومعها فى ذلك الرئيس الألمانى، على الجانب الإنسانى والإغاثى. وكانت أول مسؤول غربى يدعو للاعتراف بطالبان، وأنه لابد من بدء الاتصال بهم.. وقد نفذ وزير خارجيتها هذا التوجه وتواصل بالفعل مع قيادة طالبان عن طريق الدوحة.

الرئيس الروسى بوتين من أنشط الزعماء خلال الأسبوعين الماضيين فيما يتعلق بأفغانستان. بعض تصريحاته تتضمن تقريعًا وشماتة مباشرة فى الخروج الأمريكى الغربى من هناك، لكنه فى تصريح أخير يبدو واقعيا جدا وهو يرسم حدود تدخلاته فى أفغانستان: «لن نتدخل هناك.. وتعلمنا الدرس من التجربة السوفيتية»- فى إشارة للهزيمة الكبرى لبلاده فى أفغانستان على أيدى الثوار المجاهدين بعد احتلال الاتحاد السوفيتى لأفغانستان عام ١٩٧٩، وهى الهزيمة التى كانت عاملا حاسما فى انهيار وتفسخ الاتحاد بعدها بسنوات معدودة.

حتى رؤساء بعض الدول العربية والإسلامية لهم إسهامات مهمة بشأن أفغانستان، على رأس هذه العواصم تأتى الدوحة التى قامت بالجهد الأكبر فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة والناجحة بين الولايات المتحدة وطالبان على مدى ثلاثة أعوام، وصولا لقرار واشنطن بأن تكون الدوحة مقرا مؤقتا لبعثتها الدبلوماسية المُكلفة بالملف الأفغانى بعد إغلاق السفارة فى كابول.. انعكست هذه السيولة على بيانات الأمير والمؤتمرات الصحفية لوزير الخارجية القطرى ومساعديه.

■ الأردن والسعودية وإيران وباكستان لهم تواجد سياسى وإعلامى غنى فى الملف الأفغانى.

■ التعامل الدبلوماسى المصرى فقير جدا فى هذه المنطقة. قد يكون لدينا حاليا انشغالات أخرى وهموم محلية وإقليمية أقرب وأكثر اشتباكًا معنا.. لكن كان ينبغى أن يتفاعل وزير خارجيتنا ومعه البرلمان والأزهر والمجتمع المدنى والإعلام مع الملف الأفغانى والمحنة الحالية بشكل أعمق.

الرئيس تحدث سريعًا عن أفغانستان ضمن ملفات أخرى خلال مداخلته مع الزميلة عزة مصطفى قبل أسبوعين. ركز على عوامل انهيار الدول، وأن ذلك يأتى بسبب الصراعات الداخلية، كما أشاد بما ينتجه الزميل عبدالرحيم كمال، الكاتب والسيناريست- فى إشارة واضحة لمسلسله «القاهرة كابول»، الذى تعمق فى رحلة المتطرفين، وضمنهم قادة مصريون للهجرة لأفغانستان واتخاذ أراضيهم قاعدة للإرهاب، وجهود الأجهزة المصرية فى كشفهم ومواجهتهم.

■ وفى هذا الإطار، تبقى لى ملحوظة وحيدة وأكثر شمولًا متعلقة بطريقة تواصل الرئيس مع الرأى العام.

كان عبدالناصر ومن بعده السادات ثم مبارك يميلون للخطابات الجماهيرية المباشرة. كان عبدالناصر أكثرهم حضورًا وتأثيرًا لدى الجماهير، يتمتع بكاريزما طاغية، ومبارك أقلهم فى هذه المقارنة، لكنه كان عفويا وهادئا. وكان السادات يطيل قى خطاباته، وتغيرت لهجته ونفسيته تماما بعد العبور فى أكتوبر ١٩٧٣، ثم تغيرت مرات عديدة وأصبح عصبيا ويستخدم ألفاظًا حادة بفعل أزماته مع الجبهات الداخلية من اليسار والناصريين والإسلاميين، وكذلك أزماته مع محيطه العربى.

الحوارات الصحفية والتلفزيونية المباشرة كانت دائمًا أسلوب الزعماء للتواصل مع الرأى العام، المحلى والدولى. كان عبدالناصر حريصا على الحوارات حتى مع الإعلام الغربى فى ظل توتر العلاقات السياسية مع معظم هذه العواصم. السادات كان الأعظم والأذكى فى مجال الإعلام الدولى.. وفى الداخل، استخدم صورة كبير العائلة الذى يحافظ على التقاليد الريفية، وجلبابه البلدى لكى يخلق لنفسه صورة ذهنية معينة استفاد منها بعد ذلك.

مبارك كان الأنشط فى حواراته مع رؤساء التحرير للصحف القومية. كان أيضا ذكيا جدا فى التواصل مع الإعلام العربى، وخاصة الخليجى. كانت هناك مواسم لذلك وتوجيهات لشرح مواقف بعينها على مقاس كل صحيفة، يساعد فى تسهيل خروج تسريبات سياسية قوية.. كان يتواصل بنفسه مع رؤساء التحرير ويحرص على أن يمدهم بمعلومات وأخبار مهمة وتفصيلية.

ما يقوله للكويتيين يختلف عما يشرحه للسعوديين أو الإماراتيين.. وهكذا. نجح فى خلق رأى عام خليجى ظل يحبه ويدعمه حتى بعد قيام ثورة يناير وخلعه.

أعتقد أن دراسة هذا الأسلوب مهم حاليا فى ظل تراجعنا خليجيًا.

ويبقى السؤال: هل فقدت هذه الأساليب بريقها الجماهيرى فى ظل الوسائط الحديثة؟.. أجيب أنا عن سؤالى بالنفى.. وأزيد بأن الحوارات باتت أكثر أهمية، والدليل أنها مازالت موجودة فى الإعلام الغربى.

تصريحات الزعماء لوسائل الإعلام فى مؤتمرات صحفية عامة تختلف فى مضمونها وأهدافها ورسائلها عن الحوارات التى يجهز لها الإعلامى – الصحفى أو المذيع – جيدًا، يبدو وكأنه ممثل الرأى العام بكافة انتماءاته، ويطرح أسئلته الطازجة والمهمة على الرئيس.. وليربح الطرفان.

وحتى فى محيطنا القريب، لايزال هناك تقدير لهذا المنهج. أعجبتنى حوارات ومقالات الزملاء رؤساء تحرير الصحف القومية فى بغداد، على هامش القمة التى جرت هناك الأسبوع الماضى بمشاركة الرئيس السيسى.

ينبغى أن تدعم الدولة صُحفها ومحطاتها الفضائية وقياداتها. ينبغى أيضا إجراء حوارات مباشرة مع كبار المسؤولين، ابتداءً من رئيس الجمهورية.

■ «الثانوية» والتطعيم

أصدرت وزارة الصحة بيانًا مهمًا الأسبوع الماضى، فى إطار خطة مكافحة وباء كورونا، وعرف طريقه لمانشيتات الصحف، وعلى رأسها «المصرى اليوم». البيان يبشرنا بتطعيم إجبارى لطلاب المرحلة الثانوية قبيل العام الدراسى الجديد. كثيرون صدقوا الخبر. أتمنى أن يكون سليما ودقيقا ويمتاز بالشفافية، وألا ينضم إلى سيل الوعود الرسمية غير المسؤولة- وما أكثرها!- بشأن كورونا وأعداد الإصابة بها، ونسب التلقيح.. وهكذا.

دعونا هنا نتحدث عن قصة فنية جدًا ترتبط بأن السيستم الذى تعمل من خلاله وزارة الصحة لا يسمح بتسجيل البيانات لطالبى اللقاح إلا لمن ولدوا قبل ٢٠٠٣. وعلى حد علمى، فإن طلاب الثانوية للعام الحالى هم من مواليد ٢٠٠٤ وما بعدها، وإذا كان المقصود بالتصريح هو تطعيم جميع طلاب المرحلة الثانوية بأعوامها الثلاثة، فإنه ينبغى تعديل سيستم وزارة الصحة على الفور، لأن الوقت ضيق جدا. والخطورة فى قصة تطعيم طلاب الثانوية ووجوبها فى ظل انتشار كورونا مع تحوره الخطير بشكله الحالى «دلتا» والذى يصيب الشباب والصغار أيضا، أن هناك تكدسًا رهيبًا سيساق إليه الطلاب رغم أنوفهم فى سناتر الدروس الخصوصية. جميع فصول الثانوية مغلقة، حتى فى المدارس الدولية والخاصة.. علينا أن نصدق هذا الواقع ولا نلتفت لحديث وزير التعليم الذى يغض الطرف عن هذا الأمر ويصور لنا الأمر وكأنه يدير منظومة حديثة وعصرية للثانوية العامة.

الطلاب يتكدسون فى السناتر مرغمين. السنتر الواحد به كثافة تفوق عشرة فصول أو يزيد. ومن شأن ذلك أن يزيد نسب الإصابة بكورونا فى هذه الفئة العمرية، وخاصة مع قدوم فصل الشتاء.

ليت دعوة وزارة الصحة تكون واقعية وأمينة وجريئة.. وتبدأ بتطعيم طلاب السناتر فى جميع المحافظات!.

You May Also Like

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *