حكايات السبت: الخبز المُحسّن.. صوت العرب.. وفارس ونايل

بقلم محمد السيد صالح

رئيس تحرير المصري اليوم السابق

الخبز المحسن

في رمضان الماضى، فوجئت وأنا فى قريتى بزحام شديد يكاد يعطل طريق المرور الرئيسى قبيل الإفطار. وعندما سألت عن السبب قيل لى: إنه فرن للخبز المُحسن، أى غير المُدعم. سألت عن سعر الرغيف الواحد فعلمت أنه فى حدود الجنيه. نفس الأسعار الموجودة هنا فى السوبرماركت والأفران التى تعمل خارج حصص التموين.

أزعم أننا نفكر ونناقش ونكتب دون أن تكون لدينا دراسات كافية عن أنماط استهلاك المصريين للخبز المدعم وكذلك غير المدعم حاليا. كذلك الأمر ينطبق على نسبة الفاقد من القمح الذى تدعمه الحكومة بمليارات الجنيهات سنويا.

لا أعرف هيئات بحثية حكومية أو مستقلة تقوم بهذا الدور حاليا رغم أهميته. الأرقام التى يتم تداولها عن الغذاء، وضمنها الخبز، غير دقيقة، وبالتالى ليست مقنعة للرأى العام غالبًا.

من واقع خبرات شخصية ومشاهدات عابرة، فإن لدينا نسبة عالية فى الريف والمدن تتعامل مع الخبز المدعم وكأنه صُنع ليتم تقديمه كعلف للحيوانات. لقد رأيت ذلك بنفسى. هناك عائلات حريصة على الحصول على حصصها اليومية من الخبز، لكنها لا تستهلك منه إلا اليسير، ويكون الباقى مصيره سلة المهملات.

فى المقابل، هناك نسبة غالبة من الفقراء ومحدودى الدخل يعتمدون بشكل كامل على الخبز المدعم. بلا شك فإن رفع أسعار الخبز سيمثل تحديًا يوميًا لهم.

لقد تحدث الرئيس عن ضرورة رفع سعر رغيف الخبز بعد أن ظل على حاله ثلاثين عاما. كثيرون أشفقوا عليه من تداعيات هذا التوجه. وهناك من رأى أنه كان يمكن أن يتم التحريك دون إعلان رئاسى، مثله فى ذلك مثل أسعار الوقود والكهرباء وغيرهما من الخدمات، ولكن الرئيس اعتمد على الصراحة والثقة اللتين بناهما مع الشعب طوال السنوات الماضية. أتمنى جهدًا حكوميًا مخلصًا وعميقًا فى الفترة المقبلة لشرح القرار ومبرراته ومصير الأسر الفقيرة.

الحديث عن تحويل الدعم العينى إلى نقدى بات قديما ومستهلكا وغير مقنع.

لقد أقدمت الدولة على خطوات مهمة خلال الفترة الماضية لتحقيق درجة معقولة من العدالة الاجتماعية. أبرز هذه المحطات البرنامج الرئاسى الشامل «حياة كريمة»، الذى يستهدف الريف المصرى كله.. لكن هذه خطط طويلة الأجل، أما رفع سعر الخبز فله تأثير عاجل ووقتى.

آن الأوان لنغير نمط تفكيرنا حول الخبز وآليات صناعته واستهلاكه، لنواجه أنفسنا بأن الرغيف البلدى التقليدى- حتى الفاخر منه- عُرضة للتلف السريع. لقد منحتنا التكنولوجيا والتفاعل الحضارى والثقافى مع العالم أشكالًا وأنماطًا مختلفة وعصرية للطعام، ومن ضمنها الخبز. لدينا مراكز ومعاهد قادرة على منحنا نوعيات عملية من الخبز قادرة على التفاعل مع أذواق المصريين، وفى نفس الوقت تقلل الفاقد من استهلاك القمح.

لقد شاهدت جزءا من خطاب قديم للرئيس الأسبق حسنى مبارك يتحدث فيه طويلًا عن أن مصر هى أكثر دول العالم استيرادًا للقمح. ويبدو أننا مازلنا محافظين على نفس الترتيب عالميًا. عجزنا عن الاكتفاء الذاتى من القمح، وعجزنا أيضا عن ترشيد استهلاكنا.

ليت دعوة الرئيس فى هذه المنطقة تشمل بعد ذلك تنفيذ مشروع قومى شامل يُلزم مستصلحى الأراضى الجديدة، سواء من الأفراد أو الشركات، بزراعة جزء منها بالقمح.

.. وهذه قضية أخرى.

صوت العرب

.. قلت للصديق والزميل أحمد الدرينى: «حرام عليك، لقد دمعت عيناى بسببك أنت وفريق عمل الفيلم التسجيلى (صوت العرب)»!.

بدأت فى مشاهدة الفيلم على اليوتيوب. وهو الذى أبدعته وحدة الأفلام الوثائقية بشبكة «دى إم سى»، وكان فى نيتى أن أشاهد دقيقتين أو ثلاثًا فقط من باب الاطلاع، ومعرفة المصادر التى عادوا إليها، على أن أشاهده كاملا فى وقت لاحق.. لكنه شدنى حتى نهايته، بل تمنيت أن يطول وأن يستغرق فى شرح وتوضيح نقاط كثيرة مرّ عليها بسرعة ورشاقة.

شبكة «صوت العرب» إضاءة إعلامية وسياسية بارزة فى تاريخنا المصرى الحديث. هى علامة على أن الريادة والزعامة تتحقق بتوحد كل الجهود، وبوجود مشروع سياسى كامل، وباختيار الكفاءات الحقيقية. وهى علامة أيضا على أن أخطاء الكبار مؤثرة جدا. وأن الصدق المرتبط بالقوة والمنعة سينتصر وسيخلق رأيا داعما، وأن الأعداء يتربصون بنا دائمًا.

أكثر ما أعجبنى فى الفيلم أنه مر على العقبات والأخطاء بشفافية وحيادية، مثلما مر على الإنجازات الكبرى لصوت العرب والإعلام المصرى كله. كذلك تركيز بعض الضيوف على احتضان القاهرة للفنانين العرب فى هذه المرحلة. وأن الذى بدأ هذا المنهج هو صوت العرب. كما أن الاستخدام السياسى للفن، من غناء ودراما وكوميديا، كان رائجًا جدًا.. ولكن كان يتم دون شعارات أو عبارات إنشائية مباشرة.

بعض المحطات الكبرى تعتمد هذا المنهج حاليا، ولكننا تراجعنا فيه كثيرًا.

قد يكون منهج صوت العرب، أو النمط السياسى الذى احتضن التجربة، غير محبب إلى نفسى. دائما ما أميل إلى منهج الشفافية والحرية واحترام الحقوق الطبيعية والصوت الإعلامى الهادئ.. لكنى وجدت نفسى معتزًا ومتماهيًا مع القوة والصلابة التى كانت عليها مصر حينئذ.

لقد أنتجت وحدة الأفلام التسجيلية حوالى عشرين فيلما فى سنتين تقريبا. معظم هذه الأفلام أحدثت ردود فعل طيبة. أذكر منها أفلامهم عن: طابا، وعبدالرحمن السندى وسيد قطب وحريق القاهرة وحياة كريمة.

كل التحية لمدير الوحدة أحمد الدرينى، وللمخرج شريف سعيد المدير التنفيذى، ومن قبلهما الصديق محمود مسلم رئيس شبكة «دى إم سى».

وأعتقد أن هذه الأفلام هى خير مؤهل لكى تحول هذه الوحدة إلى قناة مستقلة للأفلام الوثائقية ضمن الشبكة. أعرف أن التخطيط الأصلى لهذا المشروع كان لإنشاء قناة وثائقية مصرية تنافس القنوات الكبرى فى المنطقة، لكن تم تأجيله مؤقتا والاكتفاء بالوحدة.

لدينا كنوز من الوثائق والمستندات والقصص التى تؤهلنا لصناعة فضائية وثائقية بمستوى ممتاز. أما الجودة، فإننى متفائل بها، قياسا على ما تم تنفيذه فى صوت العرب.. وما سبقه من الأفلام العشرين.

فارس ونايل

انشغلنا طويلا بالربّاع القطرى من أصل مصرى، «فارس إبراهيم حسونة»، الذى منح قطر ميدالية ذهبية فى وزن ٩٦ كيلو، ولم نعطِ نفس الاهتمام بالفارس المصرى الأمريكى «نايل نصار»، رغم أن السلوك الشخصى للبطلين قريب جدا فى مضمونه.

المصريون على السوشيال ميديا وعلى بعض الفضائيات والمواقع مارسوا «الهرى» ضد حسونة، الذى احتضنته قطر ومنحته الجنسية، فمنحها أول ميدالية ذهبية فى مجال رفع الأثقال. لكننا مررنا سريعا على الفارس المصرى الذى يحمل الجنسية الأمريكية أيضا، وفضل اللعب باسم بلده الذى ولد فيه هو وعائلته. إنه فارس أصيل ونبيل يستحق منا اهتماما وتكريما أكثر مما هو حادث معه حاليا. كان قريبًا جدًا من الحصول على ميدالية أوليمبية لمصر، لكن غاب عنه التوفيق فى اللحظات الأخيرة من المنافسة. والمهم فى قصته هو اعتزازه ببلده رغم معيشته بالولايات المتحدة وحمله جنسيتها.

رجعت إلى معظم الصحف والمواقع لأدقق المعلومات عن مسيرته وبطولاته وصولا لطوكيو.. غالبية المنشور عنه قبل يوم الثلاثاء الماضى كان حول التويتة التى كتبها حماه بيل جيتس مؤسس ميكروسوفت، والد خطيبته جينيفر دعما له فى أوليمبياد طوكيو.

إن سلوك نايل ملهم لشبابنا، بل فيه دروس عظيمة. لايزال فى هذا البلد ما يشد ويجذب أبناءه إليه. قد ننشغل بهموم ثقيلة أو عابرة، لكنها تبقى فى القلب غالية علينا، بل هى أعظم من أى انتماء آخر.. حتى المشاهير والأغنياء من عينة صهر بيل جيتس فضلوا رفع علمها عن العلم الأمريكى.

ينبغى، أيضًا، أن نتعامل مع قصص الاحتراف والتجنيس بأريحية وانفتاح أكبر.

ما تمارسه حاليا قطر ودول عربية خليجية أخرى فى الألعاب الجماعية والفردية، سبق وطبقته دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة، بل إن لدينا أبطالا من أصل مصرى غير فارس، يلعبون فى الأوليمبياد مع دول أخرى.

You May Also Like

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *